أحمد بن محمد ابن عربشاه

400

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

لا ما ولا فاء ولا ظاء . فلما وقف الدب على جوابه ، وربطه بزمام تدبيره اختلى به وقال : تعلم أيها الصديق المبين ، أن ملكنا في غاية العفة والدين ، وأعلى درجات العباد والزاهدين ، قد فطم نفسه عن الطعوم ؛ خصوصا عن الدماء واللحوم ، ولكنه في ذلك كله غير معصوم ، فإنه قد تربى بلحم الحيوان ، وتغذى بافتراس الأقران ، وتعود رضع الدماء وقطعت سرته على هذا الغذاء ، وتزهده إنما هو تكلف وتعسف وتصلف ، وتعففه مكابرة ، وتورعه مصابرة ، ولا بدّ للنفس أن تفعل خاصيتها ، وتجذب شهواتها إليها ناصيتها ، وتطمح إلى مأرزها « 1 » وتجمع إلى مركزها ، وقال الله تعالى فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ [ الروم : 30 ] . وإذا كان ذلك كذلك فاحتفظ لنفسك واحفظ نصيحتى وامسك ، وتفكر أحوال غدك في أمسك ، فإنك في صحبة الأسد على خطر عظيم ، وخطب جسيم ، فلا تغفل عما قلت لك ، ولا تظنن لن يقتلك . فداخل الجمل من هذا الكلام الخور ، ولم يبق له طاقة ولا مصطبر ، ثم ثبته التوفيق ، وتخلل في هذا الأمر الجليل فكره الدقيق ، واستحضر رأيه في أمره وأجال قداح فكره ، وقال للدب المشؤم : يا أخي ، فأي ضرورة دعت الأسد الغشوم حتى تعفف عن أكل اللحوم ؟ قال : أنا لا أشك في دينه ولا أرتاب في حسن يقينه ، ولكن ربما تعود المياه إلى مجاريها ، وتعطى القوس باريها ، وتتحرك النفس الأبية والشهوة التي طالما ألقت صاحبها في بلية ؛ لأن الإنسان ، بل سائر الحيوان على ما يقتضيه الكون والمكان ، دائر مع اختلاف أخلاق الزمان ، فإن الزمان كالوعاء والشخص فيه كالماء ، فيعطيه من أخلاقه ما يقتضيه من كدره وصفاءه ، ولهذا قيل : لون الماء لون إنائه ، وقد قيل : الناس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم ، وناهيك يا ذا الكرامات

--> ( 1 ) مطلبها .